القرطبي

382

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

من ذلك فهو يكفيها ، ولا يجزي عنده أن تأخذ من بعض القرون وتبقي بعضا . قال ابن المنذر : يجزي ما وقع عليه اسم تقصير ، وأحوط أن تأخذ من جميع القرون قدر أنملة . السادسة - لا يجوز لاحد أن يحلق رأسه حتى ينحر هديه ، وذلك أن سنة الذبح قبل الحلاق . والأصل في ذلك قوله تعالى : " ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله " ، وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بدأ فنحر هديه ثم حلق بعد ذلك ، فمن خالف هذا فقدم الحلاق قبل النحر فلا يخلو أن يقدمه خطأ وجهلا أو عمدا وقصدا ، فإن كان الأول فلا شئ عليه ، رواه ابن حبيب عن ابن القاسم ، وهو المشهور من مذهب مالك . وقال ابن الماجشون : عليه الهدى ، وبه قال أبو حنيفة . وإن كان الثاني فقد روى القاضي أبو الحسن أنه يجوز تقديم الحلق على النحر ، وبه قال الشافعي . والظاهر من المذهب المنع ، والصحيح الجواز ، لحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال : ( لا حرج ) رواه مسلم . وخرج ابن ماجة عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عمن ذبح قبل أن يحلق ، أو حلق قبل أن يذبح فقال : ( لا حرج ) . السابعة - لا خلاف أن حلق الرأس في الحج نسك مندوب إليه وفي غير الحج جائز ، خلافا لمن قال : إنه مثلة ، ولو كان مثلة ما جاز في الحج ولا غيره ، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المثلة ، وقد حلق رؤوس بني جعفر بعد أن أتاه قتله بثلاثة أيام ، ولو لم يجز الحلق ما حلقهم . وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يحلق رأسه . قال ابن عبد البر : وقد أجمع العلماء على حبس الشعر وعلى إباحة الحلق . وكفى بهذا حجة ، وبالله التوفيق . قوله تعالى : " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " فيه تسع مسائل : الأولى - قوله تعالى : " فمن كان منكم مريضا " استدل بعض علماء الشافعية بهذه الآية على أن المحصر في أول الآية العدو لا المرض ، وهذا لا يلزم ، فإن معنى قوله : " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه " فحلق " ففدية " أي فعليه فدية ، وإذا كان هذا واردا في المرض